محمد جمال الدين القاسمي

426

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وكذا التوراة والإنجيل الموجودين وأنهما لم يحرفا تحريفا جوهريا . واعتقد بصلب المسيح يقينا . وصار يناقش المفسرين فيما فسروا به الآية المذكورة ، أعني آية الصلب . زاعما أن المنفيّ عن اليهود فيها هو نسبه الفعل لهم توبيخا لتهكمهم وازدرائهم . وردّ فعل الصلب إليه تعالى . وقد توسع في هذا الموضوع وألف كتابا سماه ( المعتقد الصحيح في صلب السيد المسيح ) ولما كان مبحثه غريبا جدّا ، أردت أن أورد هنا بعض تمويهاته في رسالته . وأعقبها بما فوّق عليه من سهام ردود تهافته . قال في أول رسالته : إن التباس فهم آية الصلب هو غالبا في تقدير نائب الفاعل لفعل ( شبّه لهم ) فإنا إن قدرنا نائب الفاعل مصدرا مأخوذا من الفعل السابق المذكور في الآية ( وما قتلوه وما صلبوه ) وكان التقدير شبه لهم أنهم قتلوه وأنهم صلبوه . أو شبه لهم قتلهم له وصلبهم إياه . والمعنى أنه مثل أو خيّل لهم أنهم كانوا هم القاتلين وهم الصالبين - انحلت المسألة تقريبا . وزالت كل صعوبة تأويل . حيث إن السيد المسيح لم يقتل أصلا . ولا صلب قهرا . أو مات جبرا . أو اضطرارا . بل هو من نفسه ( على زعمه ) قدم ذاته للصلب عن رغبته واختياره ورضاه . فكأنّ اليهود لم يفعلوا شيئا بقدرتهم ومجرد إرادتهم . حتى يحق لهم الافتخار بأنهم قتلوه . وأما إن قدّر المسيح نائب الفاعل ل ( شبه ) تعقدت المسألة وضاع السياق اللغويّ . لأنه لا وجه ، لغويا ، في الآية يثبت وقوع الصلب على رجل آخر غيره . إذ لم يذكر صريحا ولا إشارة . ثم ذكر في الفصل السادس أن القرآن العزيز لم يؤنب النصارى ، ولا مرة ، على ضلال اعتقادهم بصلب المسيح وموته وقيامته . ولا كذب الإنجيل أو الحواريين . ولا لام الذين آمنوا بصلب المسيح . حال كونه نبههم مرارا على غير ضلالات عندهم . وذكر فيه أيضا : لم ترد أحاديث صحيحة عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم بنفي صلبه . وفيه أيضا : أن هذه الآية يصح تأويلها إيجابيا طبقا لما في الإنجيل . بما أن عدة آيات أخرى قرآنية مجانسة لها أوّلت بخلاف ظاهرها اللفظيّ . كأفعال المبايعة والرمي والموت والحياة وما أشبه ذلك . التي نسبت صريحا لغير فاعلها الظاهر . وقال في الفصل العاشر : أما قولنا إن القرآن العزيز قصد نفي نسبة فعل الصلب لليهود وإسناده للّه حقيقة ، فهو استناد على قوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، وقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ